نشأت حوكمة البيانات في المملكة استجابةً للأنظمة. فقد وضعت معايير إدارة البيانات الصادرة عن مكتب إدارة البيانات الوطنية (NDMO)، ومعها نظام حماية البيانات الشخصية، المؤسساتِ أمام التزام واضح وجدول زمني محدد، فتعامل كثير منها مع هذا الالتزام بالطريقة المعهودة في الاستعداد لأي تدقيق: صيغت السياسات، وشُكّل مجلس للبيانات، واقتُنيت أداة لفهرسة البيانات، ورُفعت درجة النضج إلى مجلس الإدارة. كانت تلك خطوات ضرورية، غير أن البرنامج في مؤسسات كثيرة جدًا توقف عندها.

وأعراض ذلك مألوفة لكل من يجلس إلى طاولة لجنة تنفيذية: مكتب الحوكمة يرفع تقارير عن تقدّم مطّرد، وقطاعات الأعمال لا ترى في الحوكمة سوى نماذج وموافقات ومصطلحات جديدة، والاجتماع لا يزال يُفتتح برقمين مختلفين للمؤشر الواحد وجدلٍ حول أيّهما أجدر بالثقة. والدرس يتكرر في كل مرة: البرنامج المصمَّم لإرضاء الجهة التنظيمية قلّما يحسّن قرارًا، أما البرنامج المبنيّ حول القرارات فيفي بمتطلباتها في الغالب وهو ماضٍ إلى غايته.

البداية حيث يعظم الرهان

تبدأ البرامج التقليدية بالحصر الشامل، فتسعى إلى فهرسة كل مجموعة بيانات وتصنيفها وتعيين أمين بيانات لها دفعة واحدة. والجهد هائل، والعائد لا يراه أحد خارج مكتب البيانات، وحين يكتمل الفهرس يكون الراعي التنفيذي في الغالب قد انتقل إلى موقع آخر.

ونقطة البداية الأجدى قائمة قصيرة من القرارات التي تشتد فيها حاجة القيادة إلى الثقة بالأرقام: أيّ المستفيدين تنطبق عليهم شروط الخدمة، وأين تُوجَّه ميزانية العام المقبل، وما حجم رأس المال الذي تتطلبه محفظة القروض، وأيّ الموردين يمثّلون مخاطر غير مقبولة. ويستند كلٌّ من هذه القرارات إلى عدد محدود من عناصر البيانات الحرجة، وهذه العناصر، ومعها العمليات التي تُنتجها، هي أول ما ينبغي أن تتجه إليه الحوكمة.

ويحسم هذا الترتيب كذلك تجاذبًا يظل معلّقًا في معظم البرامج. فالبيانات التي تقوم عليها القرارات الكبرى هي في الغالب البيانات الأكثر عرضة للمساءلة التنظيمية: السجلات الشخصية، والمراكز المالية، والمعلومات المتبادلة بين الجهات. وإذا أُحسنت حوكمة هذه البيانات، كفى استثمار واحد لتحسين القرارات والوفاء بمتطلبات الجهة التنظيمية معًا. ثم يتّسع النطاق انطلاقًا من ضبط ثبتت فاعليته، وتلك حجة أمام مجلس الإدارة أقوى بكثير من نسبة مجموعات البيانات التي اكتملت فهرستها.

إدارة البيانات الحرجة بمنطق المنتج

أجدى تحوّل نشهده يتعلق بالنظرة إلى البيانات ذاتها: فمجموعات البيانات الحرجة تُدار بوصفها منتجات، لكلٍّ منها عملاء يعتمدون عليه. ولمنتج البيانات مالك محدد بالاسم، وتعريف منشور، ومعيار جودة معلن، ومستهلكون معروفون، ومسار واضح لطلب التغيير. وهو يُبنى مرة واحدة ويُستخدم مرات عديدة: فسجل المستفيدين الذي تقوم عليه قرارات الأهلية هو ذاته الذي يغذّي لوحات التخطيط، ثم نماذج الذكاء الاصطناعي لاحقًا، وهي نماذج تعتمد على بيانات مستقاة من مصادر نظامية وموصوفة وصفًا دقيقًا.

ويغيّر منطق المنتج السلوك على نحو لا تقدر عليه أي وثيقة سياسات. فيأخذ المالكون في التساؤل عمّن يعتمد على بياناتهم، وعمّا يتعطل إن وصلت متأخرة أو غير صحيحة. ويكفّ المستهلكون عن بناء نسخ خاصة بهم، لأن النسخة المشتركة صارت جديرة بالثقة. أما التزامات الخصوصية، كتحديد الغرض ومدد الاحتفاظ وضوابط الوصول، فتُدمج في تصميم المنتج مرة واحدة، ولا يُعاد التفاوض عليها بعد ذلك مع كل طلب جديد. وبذلك يصبح الامتثال جزءًا أصيلًا من البيانات، وتغدو الأدلة التي تطلبها الجهة التنظيمية نتاجًا طبيعيًا للعمل اليومي.

محكّ حوكمة البيانات أن تنطلق اجتماعات القيادة من أرقام لا يختلف عليها أحد. وما سوى ذلك نشاطٌ لا أكثر.

الملكية حيث تُصنع البيانات

عند الملكية تتعثر معظم البرامج دون ضجيج. فمن المغري إسناد ملكية البيانات إلى إدارة تقنية المعلومات أو إلى مكتب البيانات، لأنهما مستعدان لتحمّلها في حين تنشغل قطاعات الأعمال بأولوياتها. والنتيجة متوقعة: من يُساءلون عن الجودة لا سلطة لهم على العمليات التي تُنتج البيانات، فيقضون أيامهم في تصحيح أخطاء لا حيلة لهم في منعها.

وتعود الملكية إلى التنفيذي الذي يدير العملية المُنتِجة للبيانات. فالإدارة المالية تملك بيانات المراكز المالية، والموارد البشرية تملك سجلات القوى العاملة، ومالك الخدمة يملك سجل المستفيد. أما مكتب البيانات فله مهمة مختلفة لا تقل أهمية: يضع المعايير، ويوفّر الأدوات المشتركة، ويفصل في الخلافات حول التعريفات، ويرفع إلى القيادة تقارير عن سلامة كل نطاق من نطاقات البيانات. والفصل بين الحَكَم واللاعبين يمنح كل طرف مهمة يقدر على أدائها فعلًا.

ويحتاج المالكون كذلك إلى صلاحيات قرار صريحة. وإجابة مكتوبة موجزة عن كل سؤال من الأسئلة التالية كفيلة بحسم معظم الخلافات قبل أن تبلغ اللجنة التنفيذية بوقت طويل:

  • من يحدد معنى كل عنصر من عناصر البيانات الحرجة، ومن يُقرّ أي تعديل في هذا التعريف؟
  • من يضع الحد المقبول لجودة منتج البيانات، ويعلن صلاحيته لاستخدام بعينه؟
  • من يمنح صلاحية الوصول إلى البيانات الشخصية، ولأي غرض، ولأي مدة؟
  • من يحسم الأمر حين يتنازع نطاقان على السجل ذاته، أو ينشران أرقامًا متعارضة؟

الجودة على قدر الأثر

تبدو مستهدفات الجودة المعمّمة على المؤسسة بأسرها صارمة، لكنها في الأغلب الأعم تخيّب الآمال. فالمعايير الموحّدة تشتّت الجهد وتُنهك أمناء البيانات المطالَبين بالوفاء بها. والأصل أن يتناسب جهد الجودة مع جسامة العواقب: فالخطأ في جدول مرجعي يغذّي تقريرًا داخليًا مصدر إزعاج، أما الخطأ في رقم هوية وطنية أو سجل مريض أو أمر دفع فخطر جوهري، وقد يكون خطرًا قانونيًا أيضًا.

وينبثق هذا الانضباط مباشرة من نموذج المنتج: تُوضع قواعد الجودة لكل منتج بيانات وفق القرارات التي يخدمها، وتُقاس باستمرار في أقرب نقطة ممكنة من موضع إنشاء البيانات، ويُحال كل إخفاق إلى مالك العملية التي تسببت فيه. أما تنقية البيانات في مراحل لاحقة، في مستودع البيانات أو في التقرير، فتعالج العَرَض وتضمن عودة الخلل ذاته في الشهر التالي. فالجودة سمة من سمات العملية التي تُنتج البيانات، ولا تتحسن إلا حين تتغير تلك العملية.

الإلمام بالبيانات يُكتسب في صميم العمل

الإلمام بالبيانات هو العنصر الذي تبخسه معظم البرامج حقه من التمويل، وهو أقل ما تحتمل التقصير فيه. فالحوكمة تطلب من الموظفين في أرجاء المؤسسة أن يغيّروا طريقة عملهم: أن يتحرّوا الدقة في تسجيل البيانات عند مصدرها، وأن يراعوا تصنيف البيانات وموافقة أصحابها، وأن يتثبّتوا من أي رقم قبل أن يُرفع إلى وزير أو رئيس تنفيذي. ونادرًا ما تغيّر دورات التوعية العامة هذه العادات.

ويترسّخ الإلمام بالبيانات حين يُفصَّل على قدر كل دور، ويُكتسب من خلال العمل الفعلي. فالتنفيذيون بحاجة إلى أن يعرفوا كيف يستنطقون لوحة المؤشرات، وما ينبغي أن يتوقعوه من مالك البيانات. وموظفو الخطوط الأمامية بحاجة إلى أن يدركوا أهمية حقل بعينه، وما يترتب على إغفاله في المراحل اللاحقة. والمحللون والمهندسون بحاجة إلى دراية عملية بالتزامات الخصوصية المرتبطة بالبيانات التي يتعاملون معها. والبرامج التي تتخذ من منتجات بيانات المؤسسة نفسها مادةً للتعلّم تؤدي غرضين معًا: تبني المهارة، وتولّد الطلب على تلك المنتجات.

وفي قمة الهرم، يبدأ الإلمام بالبيانات بطرح أسئلة أدق على برنامج الحوكمة: أيّ القرارات صارت أكثر موثوقية بفضله هذا العام؟ وأيّ منتجات البيانات لها مالكون يستطيعون تسمية مستهلكيها؟ وهل ستأتي أدلة المراجعة التنظيمية المقبلة من سير العمل المعتاد، أم من سباق محموم في اللحظة الأخيرة؟ والبرنامج القادر على الإجابة عن الأسئلة الثلاثة سيفي بالتزاماته التنظيمية في المجرى الطبيعي لعمله. والأهم من ذلك أنه سيكون قد استحق مكانه في جدول أعمال القيادة التنفيذية.