تأتي المؤسسات الكبرى في المملكة اليوم إلى أي حديث عن الذكاء الاصطناعي ومعها قصة جاهزة: مساعد افتراضي في خدمة العملاء، وأداة لقراءة المستندات في الإدارة المالية، ونموذج للتنبؤ في العمليات، ولكلٍّ منها عرض ناجح وراعٍ متحمس. أما إذا سألت عمّا يسهم به أيٌّ منها في نتائج هذا العام، فالأرجح أن يخيّم الصمت على القاعة.

لقد نجحت التجارب، وهي تنجح في الغالب. ففريق كفء، ومعه عينة نظيفة من البيانات وبضعة أسابيع، قادر على أن يوحي بأن كل شيء تقريبًا ممكن. أما ما يميّز المؤسسات التي تتقدّم الصفوف فهو العمل الأقل بريقًا الذي يأتي بعد ذلك: اختيار الأفكار الجديرة بأن تصبح منتجات، وحوكمتها حتى تحظى بالثقة، وتغذيتها ببيانات تصمد عند التوسع، وتشغيلها بالانضباط ذاته الذي يُطبَّق على أي نظام تعتمد عليه المؤسسة.

لقد انتقل العائق الحاسم أمام قيمة الذكاء الاصطناعي من التقنية إلى الإدارة. وهذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي شأنًا من شؤون القيادة، ينبغي أن يُدار على هذا الأساس.

أدِر الذكاء الاصطناعي بمنطق المحفظة

تتكاثر التجارب حين لا يُطالَب أحد بالمفاضلة بينها. فكل إدارة تموّل تجربتها، وكل مورّد يقترح إثبات مفهوم خاصًا به، فتخرج المؤسسة بقائمة طويلة من الأعمال الواعدة، ليس بينها مبادرة واحدة بالحجم الذي يحرّك بندًا من بنود التكلفة أو يغيّر نتيجة من نتائج الخدمة.

والعلاج هو انضباط المحفظة الذي يتوقعه مجلس الإدارة من أي برنامج للاستثمار الرأسمالي. تدخل كل حالة استخدام المحفظة ومعها مالك من جهة الأعمال محدد بالاسم، وفرضية قيمة مصوغة بمقاييس الأعمال ذاتها، وتقدير صريح لما ستتطلبه من بيانات وتغيير في الإجراءات. وتحمل كل حالة استخدام كذلك قاعدة إيقاف: تحدد الأدلة التي تستوجب إيقافها، ويُتفق عليها قبل بدء العمل. ويُصرف التمويل على مراحل، ويتجه نحو الحالات القليلة التي تجتاز بوابات التقييم واحدة تلو الأخرى.

يبدو هذا النهج أبطأ في البداية، لكنه في الواقع أقصر الطرق إلى التشغيل الفعلي، لأن المهندسين وملّاك البيانات واهتمام القيادة التنفيذية، وكلها موارد شحيحة، تكفّ عن التشتت بين تجارب لم تُصمَّم أصلًا للتوسع. فقائمة قصيرة من حالات الاستخدام العاملة فعليًا أثمن من قائمة طويلة عالقة في تجريب لا ينتهي.

أعلِن مسار الوصول إلى التشغيل الفعلي

كثيرًا ما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي المسؤول على أنه كابح. وما نراه في عملنا أن غيابه هو ما يعطّل البرامج. فحين لا يعرف أحد من يملك صلاحية اعتماد نموذج للعمل على بيانات شخصية، أو ما الاختبارات التي يحتاج إليها نظام يتعامل مع العملاء قبل إطلاقه، تتحول كل حالة استخدام إلى جولة تفاوض جديدة مع الفرق القانونية وفرق المخاطر والأمن السيبراني. وفي ظل هذا الغموض، يبقى الانتظار دائمًا الخيارَ الأسلم.

والحوكمة الجيدة تحوّل جولات التفاوض تلك إلى مسار ثابت ومعلوم نحو التشغيل الفعلي. تُصنَّف حالات الاستخدام بحسب مخاطرها منذ لحظة استقبالها، فلا تخضع أداة داخلية لتلخيص النصوص للتدقيق المخصص لنموذج يُبنى عليه قرار ائتماني أو قرار بالأهلية أو قرار سريري. ولكل مستوى من مستويات المخاطر متطلبات معلنة للاختبار والتوثيق وقابلية التفسير والمراجعة البشرية. وتُدمج الالتزامات المترتبة على نظام حماية البيانات الشخصية والمعايير الوطنية لإدارة البيانات في هذا المسار مرة واحدة، فلا تعيد فرق المشاريع اكتشافها حالةً بعد حالة.

ويستطيع القادة اختبار حوكمة الذكاء الاصطناعي لديهم بسؤال واحد: هل يعرف فريقٌ أعدّ نفسه جيدًا ما يلزمه بالضبط للوصول إلى التشغيل الفعلي، وكم سيستغرق ذلك من الوقت؟ فإن كانت الإجابة تتوقف على هوية السائل، فالحوكمة لم تؤدِّ دورها بعد.

التجربة تُثبت جدارة التقنية. أما التشغيل الفعلي فيُثبت جدارة المؤسسة.

صمِّم النظام لعامه الثاني

تُقيَّم التجربة في أسبوعها الأول، أما النظام العامل في بيئة التشغيل فيُقيَّم في عامه الثاني، بعد أن تكون البيانات قد انجرفت عن أنماطها الأولى، والفريق الأصلي قد انتقل إلى مهام أخرى، والمورّد قد أصدر عدة نسخ جديدة من النموذج. وهنا تحديدًا تُثبت جاهزية البيانات وعمليات تعلّم الآلة (MLOps) جدواها.

وجاهزية البيانات أضيق نطاقًا مما تفترضه برامج كثيرة. فهي تعني أن تُخصّ بالعناية البيانات التي تعتمد عليها حالات الاستخدام ذات الأولوية دون غيرها، فتكون موثوقةً ومعروفةَ المالك وخاضعةً للحوكمة، وتُرصد جودتها عند مصدرها. أما انتظار تنقية بيانات المؤسسة بأسرها أولًا فبرنامج لا نهاية له. ومع الوقت، تغدو محفظة الذكاء الاصطناعي أكثر خرائط الطريق واقعيةً للاستثمار في البيانات، لأنها تبيّن بدقة أيّ البيانات تصنع القيمة، ومتى.

والتشغيل جدير بالقدر نفسه من التصميم المدروس. فقبل اعتماد أي حالة استخدام للتشغيل الفعلي، ينبغي أن يكون رعاتها قادرين على الإجابة عن بضعة أسئلة محددة:

  • من يتحمل المسؤولية عن أداء النموذج بعد إطلاقه، وماذا يحدث حين يتراجع هذا الأداء؟
  • كيف يُرصد الانجراف والتحيّز والإخفاق، ومن يُنبَّه حين يقع أيٌّ منها؟
  • هل يمكن تتبّع كل نسخة، والرجوع عنها إلى سابقتها، وشرحها لمدقق أو لجهة تنظيمية؟
  • كم ستبلغ تكلفة تشغيل النظام بكامل طاقته، وأي ميزانية ستتحمل هذه التكلفة؟
  • أين تُستضاف البيانات والنموذج، وهل يفي ذلك بمتطلبات السيادة التي تلتزم بها المؤسسة؟

وينبغي أن تقوم الآليات التي تستند إليها تلك الإجابات، من النشر والمراقبة إلى التقييم وضبط التكاليف، على منصة مشتركة تستخدمها الفرق كافة. ومن دونها تتحمل كل حالة استخدام تكلفة بنيتها الأساسية وحدها، ولا تنخفض تكلفة توسيع المحفظة أبدًا.

أخضِع الوكلاء الأذكياء لتسلسل قيادي

الموجة التالية من الذكاء الاصطناعي تُجيب وتتصرّف معًا. فالأنظمة القائمة على الوكلاء الأذكياء قادرة على قراءة الطلب، وجمع المعلومات من عدة تطبيقات، وإعداد مسودة القرار، وتنفيذ الخطوات الروتينية التي تليه. ومكاسب الإنتاجية المرتقبة حقيقية في الوظائف المثقلة بالإجراءات، كالمشتريات والعمليات المالية وخدمات المستفيدين. وحقيقيٌّ كذلك خطرُ تسليم صلاحيات تشغيلية إلى برمجيات لم يُكلَّف أحد بالإشراف عليها.

ونوصي القادة بأن يصمموا سير العمل القائم على الوكلاء الأذكياء كما يصممون فريق عمل. فلكل وكيل نطاق محدد، وحدود صريحة لما يجوز له أن يُلزم به المؤسسة أو يغيّره، وشخص محدد بالاسم يُساءَل عن مخرجاته. وتتدرج صلاحيات القرار: يتولى الوكيل الأمور الروتينية، ويرفع التوصيات في الأمور الجوهرية، ويُصعّد الحالات الاستثنائية. ويُسجَّل كل إجراء بصيغة تتيح للمراجع تتبّعه لاحقًا.

ولا يجدي الإشراف البشري إلا إذا صُمِّم في صلب سير العمل. فالمراجع الذي يُطلب منه اعتماد سيل متواصل من قرارات الوكلاء دون سياق يصير مجرد ختم يُمهر به كل ما يُعرض عليه. موضع الإشراف حيث يكون للتقدير وزن، وينبغي أن يأتي مصحوبًا بالمعلومات اللازمة لممارسة هذا التقدير على الوجه الصحيح.

أبقِ الخبرة داخل المؤسسة

والعائق الأخير أشدّها رسوخًا. فالمؤسسات التي تعتمد كليًا على الموردين والمستشارين في الذكاء الاصطناعي تجد أن كل حالة استخدام جديدة تعيد منحنى التعلم إلى نقطة البداية، وأن المعرفة التي اكتُسبت بشق الأنفس ترحل مع انتهاء كل عقد. ونقول ذلك بصفتنا مستشارين: يكون التكليف الاستشاري قد أدّى غرضه حين يستطيع العميل تشغيل ما بُني دون حاجة إلينا.

ولا بد أن تتوافر هذه القدرة على المستويات كافة. فالقيادة التنفيذية تحتاج إلى إلمام كافٍ يتيح لها تحديد الاتجاه، وتمحيص دراسات القيمة، وموازنة المخاطر. ويجب أن يكون ملّاك المنتجات ومسؤولو الإجراءات قادرين على إعادة تصميم أساليب العمل بحيث يكون الذكاء الاصطناعي في صلبها، ففي ذلك تكمن معظم القيمة. وينبغي أن يتولى فريق تقني أساسي ملكية المنصة والمعايير والعلاقات مع الموردين. ويمكن أن يكون مركزٌ للتميّز ركيزةَ ذلك كله، شريطة أن يُقاس أداؤه بحالات الاستخدام العاملة في التشغيل الفعلي، وبالقدرات المنقولة إلى قطاعات الأعمال.

ولا شيء من ذلك يتوقف على ظهور نموذج جديد. فالبداية طلبٌ يستطيع أي رئيس تنفيذي أن يوجّهه في هذا الربع: أن تُعرض مبادرات الذكاء الاصطناعي كلها في صفحة واحدة، لكلٍّ منها مالكها ودراسة قيمتها ومسارها إلى التشغيل الفعلي. ثم موِّل القلة التي تتوافر فيها العناصر الثلاثة، وأغلق البقية أو ادمجها، واجعل الحكم على البرنامج من بعدُ بما يعمل فعلًا في بيئة التشغيل.