يبدأ كل تحول كبير بوعد. تحدّد دراسة الجدوى ما ستجنيه المؤسسة، ومتى، وبأي تكلفة، وعلى أساسها يُقرّ مجلس الإدارة أو الوزارة الاستثمار. ثم ينطلق التنفيذ، وينصرف الاهتمام إلى الخطة. وبعد أشهر أو سنوات تكون المنصات قد دخلت حيّز التشغيل، وتحوّلت مؤشرات المراحل إلى اللون الأخضر، وصار التقرير الختامي قيد الإعداد. وفي مرحلة ما من هذا المسار، يكون جزء كبير من القيمة التي سوّغت الاستثمار قد تبدّد، ولا يستطيع أحد أن يحدد على وجه الدقة متى ضاع.

هذا ما نسمّيه فجوة القيمة: المسافة بين القيمة التي اعتمدتها المؤسسة والقيمة التي تجنيها فعلًا. وفي عملنا مع الوزارات والمؤسسات في أنحاء المملكة، نراها تنشأ بطرق متشابهة إلى حدّ لافت. فهي تتراكم عبر سلسلة طويلة من القرارات المعقولة، يتخذ كلًّا منها أشخاص أكفاء تحت وطأة الضغط، ولا يُوزن أيٌّ منها بميزان القيمة.

ومع بلوغ برامج رؤية المملكة 2030 حجم المشاريع العملاقة، وتشدّد مجالس الإدارة والوزارات في المطالبة بالعائد، صارت هذه الفجوة مسألة تخصّ القيادة. ويتطلب سدّها أمرًا أبسط من منهجية جديدة، وأشقّ في المداومة عليه: قادة يتعاملون مع دراسة المنافع بوصفها أداة توجيه البرنامج، من أول إعلان للطموح حتى تصبح المكاسب جزءًا من طريقة عمل المؤسسة.

مواضع تسرّب القيمة

يقع التسرّب الأول عند الاعتماد. فدراسات الجدوى تُكتب لنيل التمويل، وما إن يُعتمد التمويل حتى تكون الوثيقة قد أدّت مهمتها. ثم تُركن في الأدراج، ويُدار البرنامج وفق النطاق والجدول الزمني والميزانية، وهي المقاييس التي يملك فريق التنفيذ ضبطها والإبلاغ عنها. أما المنافع فتُترك للمراجعة الختامية.

بعد ذلك تواصل القيمة تسرّبها عبر خيارات اعتيادية. يُرجأ أحد مكوّنات النظام حفاظًا على موعد الإطلاق. ويُبسَّط أحد مسارات التكامل لاحتواء التكلفة. وتُعلَّق إعادة تصميم أحد الإجراءات لأن الإدارات المعنية مثقلة إلى حدّ يمنعها من استيعابها هذا العام. وتبدو كل مقايضة منها معقولة داخل اللجنة التوجيهية، ويُسجَّل كلٌّ منها تغييرًا في النطاق أو الجدول الزمني. ولا يكاد أيٌّ منها يُسجَّل تغييرًا في القيمة التي سيحققها البرنامج، لأن أحدًا من الحاضرين لا يُساءَل عن ذلك الرقم.

ثم يأتي الإطلاق التشغيلي، الذي تعدّه معظم البرامج خط النهاية. فيُحلّ فريق البرنامج، وتنتقل شركات تكامل الأنظمة إلى مشاريع أخرى، وتتسلّم الوحدات التشغيلية نظامًا جديدًا فيما تبقى عاداتها القديمة على حالها. وهنا تحديدًا يكمن جزء كبير من القيمة، لأنه مرهون بأن يوقف أحدٌ شيئًا ما: إخراج منصة قديمة من الخدمة، أو إنهاء حلٍّ يدوي التفافي، أو تحرير بند في الميزانية، أو إعادة توزيع فريق. والإيقاف أصعب من البدء، وهو العمل الذي يُترك في الغالب بلا راعٍ في اللحظة التي ينبغي أن يبدأ فيها.

دراسة الجدوى التي تُودَع الأدراج بعد اعتمادها أدّت دورها في انتزاع الموافقة، ولم تؤدِّ شيئًا من دورها الاقتصادي.

المنافع تحتاج إلى مالكين من خارج البرنامج

أبعد القرارات أثرًا في دراسة المنافع هو تحديد مالك كل منفعة. وفي كثير من البرامج يكون الجواب: البرنامج نفسه، وهو ما يعني عمليًا ألّا مالك لها. فمدير البرنامج قادر على تسليم القدرات. أما تحويلها إلى تكلفة أدنى للوحدة، أو ميزانية أصغر، أو مدة انتظار أقصر للمستفيدين، فلا يقدر عليه إلا المسؤول التنفيذي الذي يدير العمليات المعنية.

نطلب من القادة أن يُسندوا كل منفعة جوهرية إلى مسؤول تنفيذي محدد بالاسم في الإدارات التشغيلية، وأن يُدرجوها في مستهدفاته وميزانيته قبل انطلاق البرنامج. عندها يتغيّر الحوار على الفور. فمالك المنفعة الذي سيتحمّل ميزانية مخفّضة في العام المقبل يتابع عن كثب ما إذا كان التصميم سيحقق الوفر المنشود. والمدير العام الذي ترتبط مستهدفات خدماته بمنصة جديدة يحرص على أن يكون موظفو الخطوط الأمامية مستعدين لاستخدامها.

وتفرض الملكية الصراحة في وقت مبكر أيضًا. فحين يتعيّن على التنفيذيين أن يوقّعوا على منفعة ما، تنكمش التقديرات المتضخمة، وتأتي الدراسة الناتجة أصغر حجمًا وأوثق بكثير. والرقم المتواضع الذي يجد من يدافع عنه نقطة انطلاق أفضل من رقم طموح لا يدافع عنه أحد.

تثبيت خط الأساس قبل البناء

لا سبيل إلى إثبات منفعة لم يتفق أحد على نقطة انطلاقها. ومع ذلك كثيرًا ما يُرجأ تحديد خطوط الأساس، بحجة أن البيانات غير مكتملة وأن الفريق منشغل بالتهيئة والانطلاق. وحين يعود أحدٌ إلى المسألة أخيرًا، يكون الإجراء القديم قد تغيّر جزئيًا، وتكون البيانات قد تبدّلت، فيغدو كل ادعاء بالتحسّن موضع تفاوض.

قبل تثبيت التصميم، ينبغي الاتفاق مع الإدارة المالية ومالك المنفعة على خط الأساس لكل منفعة، وتعريفها، ومصدر قياسها، وتدوين ذلك كله في سجل واحد يوقّع عليه الطرفان. ولتوقيع الإدارة المالية أهمية لسبب عملي: فالمنفعة التي لم تُقرّها الإدارة المالية قطّ ستكون محل نزاع لحظة المطالبة بها. وحيث تكون البيانات ضعيفة، يُتفق على مؤشر بديل ويُصرَّح بذلك بوضوح. فخط الأساس التقريبي الذي يقبله الجميع أثمن من خط أساس دقيق يصل بعد فوات الأوان. وفي منافع التكلفة، يُربط خط الأساس ببنود الميزانية التي ستتغير فعلًا، حتى يمكن اقتطاع الوفر المُعلن من ميزانية العام التالي. وفي منافع الخدمة، تُقاس تجربة المستفيدين والموظفين كما يعيشونها اليوم، قبل أن يعيد التصميم الجديد تشكيلها.

إيقاع واحد للقيمة والتنفيذ

تقوم حوكمة البرامج على الإيقاع: لجان توجيهية، وتقارير حالة، وتصعيد للمخاطر، وفق دورة ثابتة. ولا تحظى القيمة بالاهتمام إلا حين تأخذ موقعها داخل هذا الإيقاع بوزن مساوٍ. أما مراجعة المنافع التي تُعقد مرة في السنة، أو عند بوابات المراحل وحدها، فتأتي بعد أن يفوت أوان تغيير أي قرار.

نوصي بمراجعة شهرية للقيمة، يرأسها الراعي التنفيذي ويحضرها مالكو المنافع، تُعقد بمعزل عن متابعة حالة التنفيذ وتستمد مدخلاتها منها. وتجيب كل جلسة عن الأسئلة القليلة ذاتها:

  • أيّ المنافع تقدّمت قياسًا إلى خط الأساس المتفق عليه منذ المراجعة السابقة، وأيّها تعثّرت.
  • أيّ قرارات النطاق أو الجدول الزمني أو التصميم غيّرت القيمة التي على المحك، ومن اعتمد كل مقايضة منها.
  • أين يتأخر التبنّي عن خطة الإصدارات، فالقدرات التي لا تُستخدم لا تُدرّ عائدًا.
  • مَن مِن مالكي المنافع يحتاج إلى قرار من القيادة التنفيذية ليحافظ على مساره.

وثمة قاعدة واحدة أجدى من أي لوحة متابعة: لا يُعتمد طلب تغيير دون بيان أثره في دراسة المنافع. وما إن تعتادها الفرق حتى لا تستهلك من وقتها إلا القليل، وهي تضع كل مقايضة أمام من سيتحمّلون تبعاتها.

ينتهي البرنامج حين تتحقق القيمة

ترصد معظم لوحات متابعة البرامج النشاط: مراحل أُنجزت، وميزانية صُرفت، ومستخدمون دُرّبوا. وهي مقاييس لازمة، لكنها لا تكفي وحدها. وينبغي لمجالس الإدارة والوزراء أن يطلبوا الاطلاع على القيمة المتحققة مقارنةً بالقيمة الملتزم بها، منفعةً منفعة، مستمدةً من البيانات المالية وبيانات الخدمات التي تثق بها المؤسسة أصلًا. وقد يبدو هذا التقرير محرجًا في الأشهر الأولى، لأن القيمة المتحققة تتأخر دائمًا عن التنفيذ. غير أن هذا الحرج مفيد، فهو يُبقي اهتمام القيادة منصبًّا على النتيجة ما دام في الوقت متسع للتصرف.

ويُغيّر الإبلاغ عن القيمة المتحققة موضع خط النهاية أيضًا. فالتحول يكتمل حين تترسخ منافعه في الميزانيات والمستهدفات والعمليات اليومية، وهي لحظة تأتي عادةً بعد آخر إصدار بوقت طويل. لذلك ننصح عملاءنا بالإبقاء على وحدة صغيرة لتحقيق القيمة، كثيرًا ما تكون داخل مكتب التحول، حتى يتولى مالكو المنافع إغلاق الدراسة بأنفسهم. عندها تصبح المكاسب المتحققة خط الأساس الجديد، وتحدد المؤسسة طموحها التالي استنادًا إلى الأدلة.

يتطلب سدّ فجوة القيمة جرأة من القيادة التنفيذية. فعلى القادة أن يسمّوا المالكين، ويلتزموا بخطوط الأساس، ويستمعوا كل شهر إلى أرقام لا تسرّهم، ويُبقوا الحوكمة قائمة بعد انقضاء الاحتفالات. والجهات التي تثبت على هذا النهج تكسب أكثر من برنامج ناجح واحد، إذ تغدو مؤسسات تعرف كيف تحوّل طموحًا معتمدًا إلى نتائج، وتقدر على تكرار ذلك.