تعتمد اللجنة التنفيذية منصة كبرى، ثم يوثّق فريق البنية المؤسسية القرار بعد صدوره. ويتكرر الأمر ذاته حين يُعاد تشكيل محفظة البرامج أو تُحدَّد ميزانية التقنية للعام المقبل. والمؤسسة تنفق على البنية المؤسسية بالفعل، فلديها فريق مختص، وإطار عمل، وأداة للنمذجة، ومستودع يتضخم مع كل ربع سنة، ومع ذلك لا تصل البنية المؤسسية إلى الطاولة إلا بعد أن يُتخذ القرار.
ولهذا الترتيب كلفة باهظة. فالقرارات التي تُتخذ دون صورة مشتركة للمؤسسة تُفرز الأعراض ذاتها في كل مكان: منصتان تُشتريان لأداء مهمة واحدة، وعمليات تكامل يُعاد بناؤها لأن أحدًا لم يحسب حساب النظام التالي، وبرامج يصطدم بعضها ببعض في أشهرها الأخيرة حول بيانات لا يملكها أيٌّ منها. وأفدح أثمان ضعف البنية المؤسسية هو إعادة العمل، وهي تتراكم بصمت داخل برامج بدا كلٌّ منها سليمًا يوم اعتماده.
والعلاج أن تُدار البنية المؤسسية بوصفها أداة من أدوات الاستراتيجية: أداة تستعين بها القيادة لتخصيص رأس المال، وترتيب مراحل التغيير، وحسم المفاضلات قبل أن تتحول إلى كلفة. ويتطلب ذلك أربعة تحولات فيما تنتجه هذه الممارسة وفي موقعها من المؤسسة.
الاكتمال غاية في غير محلّها
انجرفت البنية المؤسسية نحو التوثيق لأسباب مفهومة. فالأطر تكافئ الشمول، والأدوات الحديثة تجعل نمذجة كل شيء أمرًا يسيرًا، وكثيرًا ما يُقاس أداء المعماريين المؤسسيين بمقدار ما وثّقوه من المنظومة التقنية، فيصبح المستودع هو المُخرَج المطلوب. ومع مرور الوقت، تزداد الممارسة دقةً ويقلّ الرجوع إليها.
النموذج المكتمل يخدم المعماريين. أما اللجنة التنفيذية فتحتاج إلى ما هو أضيق نطاقًا: صورة مركّزة للأمور القليلة التي تحسم نجاح الاستراتيجية، أي القدرات التي يجب أن تتعزز، والمنصات التي تنطوي على أكبر المخاطر، والترابطات التي ستحدد وتيرة التنفيذ. احكم على الممارسة بأثرها في هذه المسائل. فإن لم تستطع أن تشير إلى ميزانية أسهمت في تشكيلها، أو منصة أخرجتها من الخدمة، أو برنامج أعادت ترتيب مراحله، فهي لا تنتج سوى مادة مرجعية، مهما بلغت دقتها.
اربط خريطة القدرات بقرارات التمويل
خريطة القدرات أنفع ما تنتجه البنية المؤسسية، وأقلّه توظيفًا. وحين تُعدّ إعدادًا متقنًا، فإنها تصف ما يجب أن تكون المؤسسة قادرة على أدائه، بمعزل عن طريقة تنظيمها اليوم أو الأنظمة التي تشغّلها. وفي هذا الاستقلال تكمن قيمتها، فالقدرات تبقى قائمة بعد إعادة الهيكلة وتبدّل الموردين، وهذا ما يجعلها إطارًا ثابتًا لتحديد وجهة الإنفاق.
والخطوة العملية أن تصبح الخريطة العمود الفقري لعملية الاستثمار، فيبيّن كل طلب تمويل ذي شأن القدرات التي يعززها، ومستوى النضج الذي تتطلبه الاستراتيجية منها. وفي غضون دورة تخطيط واحدة، تظهر أنماط لا تكشفها مراجعة كل مشروع على حدة: برامج عدة تموّل القدرة ذاتها بأسماء مختلفة، وقدرات حرجة لا يكاد يُستثمر فيها شيء، وميزانيات كبيرة محتجزة في وظائف نمطية يمكن توحيد معاييرها أو الحصول عليها بوصفها خدمة.
ولنجاح ذلك شرطان. الأول أن تُرسم الخريطة على مستوى من التفصيل يستحق أن يختلف حوله القادة، وهو ما يعني عادةً بضع عشرات من القدرات في المستوى الأعلى. والثاني أن تكون ملكيتها مشتركة بين وظائف الاستراتيجية والمالية والبنية المؤسسية، فتكتسب المرجعية اللازمة حين تُحدَّد الميزانيات. ومتى تحقق الشرطان، تكفّ لجنة الاستثمار عن اعتماد المشاريع واحدًا تلو الآخر. فهي تقرر أيّ القدرات تعزز، وبأي ترتيب، وبأي كلفة، ثم تحكم على كل مشروع في ضوء هذا الخيار.
ارسم الوجهة والطريق إليها
الحالة المستهدفة وحدها لوحة تُعلَّق على الجدار. وقد رأت معظم فرق القيادة غير واحدة منها: صورة أنيقة للمؤسسة بعد بضع سنوات، لا تقول إلا القليل عن سبيل الوصول إليها أو عمّا ينبغي التوقف عنه في الطريق. أما البنية المؤسسية التي تغيّر النتائج، فتقرن كل حالة مستهدفة بخريطة طريق انتقالية تستطيع جهات التنفيذ تطبيقها.
وتشترك خرائط الطريق التي تصمد أمام الواقع في ثلاث سمات. فهي تمر بحالات وسيطة مستقرة، لكلٍّ منها نفع قائم بذاته، فلا تجد المؤسسة نفسها عالقة في منتصف المسافة بين القديم والجديد. وهي ترتّب التغيير وفق الترابطات والقيمة معًا، لأن الخطوة الأعلى قيمة كثيرًا ما تتوقف على خطوة أقل ظهورًا، كأساس مشترك للبيانات أو منصة لإدارة الهوية. وهي تسمّي ما سيُخرَج من الخدمة، ومتى. ففي الإخراج من الخدمة يتحقق جزء كبير من الوفورات ومعظم ما يُخفَّض من المخاطر، وهو مع ذلك أكثر الخطوات سقوطًا من الخطط.
وفي المملكة، يجب أن تستوعب الحالة المستهدفة الأطر الوطنية منذ مسودتها الأولى: معايير إدارة البيانات الصادرة عن مكتب إدارة البيانات الوطنية (NDMO)، والضوابط الأساسية للأمن السيبراني (NCA ECC)، ونظام حماية البيانات الشخصية (PDPL)، وما يُنتظر من استضافة سيادية لأحمال العمل الحساسة. وحين تُعامل هذه الأطر بوصفها مدخلات للتصميم، فإنها تحول دون تسلسل مألوف وباهظ الكلفة: منصة تُختار ويُتعاقد عليها ويُنجز نصف بنائها قبل أن يتحقق أحد من إمكانية استضافتها وحوكمتها وفق ما تشترطه الأنظمة.
إعادة العمل هي ثمن القرار الذي يُتخذ بلا خريطة.
اجعل الحوكمة المسار الأسرع
تعاني حوكمة البنية المؤسسية سوء سمعة، وهي في الغالب سمعة مستحقة. فمجالس مراجعة البنية التي تنعقد شهريًا، وتطلب تصاميم مكتملة، ثم تعيد قوائم طويلة من الملاحظات، تلقّن فرق التنفيذ درسًا واحدًا: أن تؤخر التواصل معها قدر الإمكان. والحوكمة المبنية على هذا النحو تبطئ المؤسسة، وتفوتها مع ذلك الالتزامات الحاسمة، لأن تلك الالتزامات تقررت في مرحلة أبكر، عند إعداد دراسة الجدوى.
أما الحوكمة التي تسرّع القرارات فتُبنى على نحو مختلف، وتميزها خمس سمات:
- معايير منشورة مسبقًا. فالمبادئ والبنى المرجعية والأنماط المعتمدة تتيح لمعظم الفرق التحقق من امتثالها بنفسها، دون انتظار اجتماع.
- مسار متدرج. يحسم معماريو المجالات الخيارات الاعتيادية بسرعة، ولا يصل إلى مجلس المراجعة إلا ما يغيّر الحالة المستهدفة أو يرتّب التزامًا رأسماليًا كبيرًا.
- المراجعة عند دراسة الجدوى. يطّلع مجلس المراجعة على الاستثمار ما دام تغيير الاتجاه قليل الكلفة، قبل توقيع العقود وتثبيت التصاميم.
- التزام بمهلة الرد. لكل مراجعة زمن استجابة محدد، وإذا انقضت المهلة دون رد رُفع الأمر إلى راعي البرنامج، بدلًا من أن يبقى الفريق معطّلًا.
- استثناءات لها مالكون. يُسجَّل كل انحراف عن الحالة المستهدفة مقرونًا بمالك يُساءل عنه وتاريخ ينتهي فيه، فيصبح الدين التقني قرارًا يحمل توقيع صاحبه.
وحين تُدار الحوكمة على هذا النحو، يُقاس أداؤها بالوقت الذي توفره وإعادة العمل التي تمنعها. ويصبح المعماريون من تبادر فرق التنفيذ إلى استشارتهم مبكرًا، لأن الحديث معهم يختصر الطريق إلى الاعتماد.
ابدأ من لجنة الاستثمار
لا يتطلب شيء من هذا إطارًا جديدًا أو فريقًا أكبر. كل ما يتطلبه تغيير في موقع البنية المؤسسية وفيما يُطلب منها أن تنتجه، وهو تغيير يستطيع فريق القيادة إحداثه خلال دورة تخطيط واحدة، بالممارسة القائمة لديه.
امنح كبير المعماريين مقعدًا في لجنة الاستثمار، بتكليف محدد: أن يبيّن موقع كل مقترح على خريطة القدرات وخريطة الطريق، وما يترتب عليه في بقية المنظومة التقنية. واشترط أن تحدد كل دراسة جدوى ذات شأن القدرات التي تعززها، والحالة المستهدفة التي تقرّب المؤسسة منها، والأنظمة التي ستتيح إخراجها من الخدمة. ثم اختر مجالًا واحدًا بالغ الأهمية تتشابك فيه المنظومة التقنية، وطبّق فيه النموذج كاملًا أولًا: تمويل يقوده منطق القدرات، وحالة مستهدفة بخطوات انتقالية واضحة، وحوكمة تلتزم بمهل الرد.
وتظهر الشواهد أولًا في القرارات ذاتها. فنقاشات الاستثمار تقصر لأن المفاضلات باتت واضحة، والبرامج تنطلق وترابطاتها مفهومة، وتندر المنصات التي تُشترى مرتين. قِس البنية المؤسسية برأس المال الذي توجّهه وإعادة العمل التي تمنعها، وستنال عندئذ مقعدها المستحق في القاعة التي تُموَّل فيها الاستراتيجية.