لا يكاد يخلو برنامج تحوّل كبير من مكتب للتحول، ولذلك منطق سليم. فمحفظة المبادرات العابرة لوظائف المؤسسة تحتاج إلى جهة تُمسك بزمام الخطة، وتتتبّع مسار الأموال، وتكشف المشكلات التي لا يملكها أي مسؤول تنفيذي بمفرده. يرعى الرئيس التنفيذي المكتب، ويُعيَّن على رأسه قائد كفء، فينطلق بحماسة حقيقية وتفويض واسع.

وبعد عام، يبدو كثير من هذه المكاتب مختلفًا كل الاختلاف. يدور الإيقاع الأسبوعي حول نماذج تقارير الحالة. ويقضي قادة مسارات العمل يومًا كاملًا في التحضير لكل اجتماع للجنة التوجيهية. وتُحدَّث لوحات المؤشرات بانتظام، فيما تستشعر اللجنة التنفيذية أن نتائج المؤسسة في التكلفة ومستوى الخدمة لم تكد تتحرك. لقد صار المكتب أكثر الوحدات اطّلاعًا في المبنى، وواحدًا من أقلّها تأثيرًا. وقد بتنا نعدّ هذا الانجراف المآل الطبيعي الذي لا يحول دونه إلا تصميم مقصود.

اطّلاع بلا صلاحية

لهذا الانجراف سبب هيكلي. فمكتب التحول يُمنح في الغالب حق الاطّلاع دون صلاحية القرار. يستطيع أن يطلب المعلومات من أي مسار عمل، لكنه لا يستطيع تحريك ميزانية، ولا إيقاف مبادرة، ولا الفصل في خلاف بين مديرَين. والوحدة التي تملك المعلومة ولا تملك السلطة تفعل الشيء الوحيد المتاح لها: تجمع مزيدًا من المعلومات. فتتكاثر النماذج، وتقصر دورات التقارير، ويقيس المكتب ما يستطيع رؤيته، أي الأنشطة والمراحل المنجزة والإنفاق. أما القيمة التي مُوِّل البرنامج من أجل تحقيقها فتبقى خارج متناوله.

وكثيرًا ما يعزّز التنفيذيون هذا النمط من غير قصد. تُحال القضايا الصعبة إلى المكتب «للمتابعة»، وهو إجراء يوحي بالتحرّك ويؤجّل القرار في آن. ومع الوقت يغدو المكتب حاجزًا بين البرنامج والقادرين على إصلاحه. وعلامات الإنذار لا تخطئها العين:

  • تستهلك اجتماعات اللجنة التوجيهية معظم وقتها في استعراض الحالة، ولا تُفرد للقرارات إلا القليل.
  • تبقى المخاطر والقضايا مفتوحة عبر دورات تقارير متعاقبة، لأن أحدًا من الحاضرين لا يملك صلاحية إغلاقها.
  • تُعرض المنافع في صورة مراحل أُنجزت، دون صلة واضحة بالميزانية أو بقائمة الدخل.
  • لم تُوقَف أي مبادرة، ولم يُعدَّل نطاق أيٍّ منها تعديلًا جوهريًا، منذ انطلاق البرنامج.
  • يرى قادة مسارات العمل في المكتب التزامًا برفع التقارير، وقلّما يرون فيه مصدرًا للعون.

ابدأ بصلاحيات القرار

أول سؤال في تصميم مكتب التحول هو ما الذي يحقّ له أن يقرّره، وكل ما عداه يتفرّع عن الإجابة. يمتلك المكتب الحديث مجموعة محددة من صلاحيات القرار، منصوصًا عليها في ميثاقه ومعتمدة من اللجنة التنفيذية: إعادة توزيع الأموال بين المبادرات ضمن سقوف متفق عليها، ومعالجة الترابطات بين مسارات العمل، وإنفاذ بوابات المراحل التي يتعيّن على كل مبادرة اجتيازها، والتوصية بإيقاف أي مبادرة حين لا تعود جدواها قائمة.

غير أن الصلاحيات المكتوبة تحتاج إلى ثقل حاضر في قاعة الاجتماع. ينبغي أن يرتبط المكتب بالرئيس التنفيذي مباشرة، وأن يكون قائده ممن مارسوا الإدارة التشغيلية وتعدّه اللجنة التنفيذية نظيرًا لأعضائها. فكبار التنفيذيين يتقبّلون قرارًا صعبًا في الميزانية أو في تسلسل التنفيذ ممن أدار جزءًا من أعمال المؤسسة، ويقاومون القرار نفسه إذا صدر عن منسّق، مهما بلغ اجتهاده.

ويجب أن يكون الميثاق بالدقة ذاتها في تحديد ما يتعيّن على المكتب تصعيده، وفي أي مهلة. فكل قضية يعجز المكتب عن حسمها خلال مدة محددة تُرفع إلى اللجنة التنفيذية مشفوعة بتوصية. وهذه القاعدة وحدها كفيلة بتغيير طبيعة الاجتماع التنفيذي: يحضر المكتب وقد صاغ كل قرار، وقدّر تكلفة كل خيار، وحدّد الإجابة التي يرجّحها، فتنصرف اللجنة إلى اتخاذ القرار. أما تقارير الحالة فتتحوّل إلى مادة تُقرأ مسبقًا ولا يعرضها أحد.

مكتب التحول الذي لا يستطيع تغيير الخطة سيكتفي بوصفها.

وصلاحيات القرار تُكسب المكتب كذلك اهتمام الإدارات التشغيلية. فحين يدرك قادة مسارات العمل أن المكتب قادر على تذليل عقبة في المشتريات أو إعادة توزيع ميزانية، يأتونه بالمشكلات الحقيقية مبكرًا. وحين يعلمون أنه لا يملك سوى تسجيلها، يأتونه متأخرين بتحديثات منمّقة.

تتبّع القيمة، ووجّه المحفظة

المنافع ملكٌ للقيادات التشغيلية التي ستدير المؤسسة بعد تحوّلها، وعلى الإدارة المالية أن تتثبّت منها أولًا بأول كلما تحقّقت. أما المكتب فدوره أضيق نطاقًا وأشدّ تطلّبًا: يحتفظ بسجل واحد للبرنامج كله، ويختبر كل ادّعاء بمقارنته بخط أساس متفق عليه، ويرفض احتساب الوفر الواحد مرتين. ومصداقيته رهن بأن يكون أشدّ قرّاء أرقامه تشكيكًا فيها.

وهذا السجل هو ما يجعل توجيه المحفظة ممكنًا. فمحفظة التحول جديرة بانضباط محفظة الاستثمار: على كل مبادرة أن تستحق استمرار تمويلها عند كل بوابة، وتتجه الموارد إلى المبادرات التي تقدّم دليلًا على القيمة. والمال ليس إلا أحد القيود، وكثيرًا ما يكون أهونها. أما القيد الأصعب فهو تلك المجموعة الصغيرة من القادة والمتخصصين الذين تطلبهم كل مبادرة في الوقت ذاته. والمكتب المقتدر يدير هذه الطاقة النادرة بعناية لا تقلّ عن عنايته بالميزانية، فيرتّب تسلسل العمل حتى لا يُوعَد الأشخاص القلائل أنفسهم لكل المبادرات في آن، ولا يتردد في التوصية بإيقاف أفكار جيدة كي تكتمل أفكار أفضل منها. وفي الوزارات والجهات الحكومية التي تنهض بالتزامات متعددة ضمن رؤية المملكة 2030 في وقت واحد، كثيرًا ما يكون انضباط التسلسل هذا هو الفيصل بين محفظة تحقّق نتائجها وأخرى تتضخّم فحسب.

ساند التنفيذ تأتِك المعلومات

المكاتب التي تقدّرها فرق التنفيذ تكرّس قدرًا معتبرًا من جهدها للعمل نفسه. فهي تحتفظ بنخبة صغيرة من الممارسين المتمرّسين، يستطيعون الانضمام إلى مسار عمل متعثّر لبضعة أسابيع: لفكّ تعقيدات عملية شراء، أو تيسير الوصول إلى البيانات، أو حسم مسألة تتعلق بالبنية التقنية، أو تهيئة وحدة أعمال لإطلاق ليست مستعدة بعد لاستيعابه. ويحتفظ مسار العمل بملكيته طوال الوقت، فيما يقدّم المكتب حسن التقدير والزخم حيث يكون البرنامج في أضعف حالاته، ثم يتنحّى جانبًا.

وللمساندة فائدة ثانية: فالمكتب الذي يحلّ المشكلات يعلم بها مبكرًا، فتتحسّن تقاريره من غير أن يسعى إلى ذلك. وأقوى المكاتب تخفّف كذلك عبء التقارير مباشرة؛ إذ تستمد بيانات الحالة من الأدوات التي تستخدمها الفرق أصلًا في تخطيط عملها ومتابعته، وتقصر العرض التنفيذي على صفحة واحدة لكل مبادرة، ولا تطلب شرحًا مكتوبًا إلا حيث تثير الأرقام تساؤلًا. وكل ساعة لا يقضيها قائد مسار العمل في تعبئة النماذج تعود إلى التنفيذ.

صمّم التسليم منذ اليوم الأول

مكتب التحول كيان مؤقت، وأفضل المكاتب تنصّ على ذلك صراحة في ميثاقها. ويحدّد هذا الميثاق الحالة المستهدفة: إدارة أداء تتولاها الإدارات التشغيلية، ومتابعة للقيمة مدمجة في دورة التخطيط والموازنة، وقرارات للمحفظة تُتخذ عبر مسار الاستثمار المعتاد. ولكل آلية من هذه الآليات مالكٌ يتسلّمها، وخطة تسليم، ومعايير تبيّن متى تصبح جاهزة للانتقال.

ويقوم التسليم على الأفراد. فمديرو الإدارات التشغيلية يشاركون في ملكية السجل قبل أن يتسلّموه بوقت طويل. ويتعلّم المحللون الماليون التحقق من المنافع جنبًا إلى جنب مع فريق المكتب. وتتيح برامج التدوير الوظيفي لأصحاب الكفاءات الواعدة الانتقال من وحدات الأعمال إلى المكتب ثم العودة إليها، حاملين معهم أساليب عمله. وحين يُغلق المكتب في نهاية المطاف، ينبغي ألا تلحظ المؤسسة إلا قلّة الاجتماعات، ولا شيء يُذكر سواها.

وهذا هو المعيار الذي نُلزم به أنفسنا حين نؤسّس مكاتب التحول ونديرها مع عملائنا. فمقياس المكتب هو ما يواصل العمل بعد رحيله: قرارات تُتخذ على المستوى الصحيح، وقيمة تُتابَع دون تذكير، ومحفظة لا يزال يوجّهها من يملكون نتائجها.